ابن الأثير

126

الكامل في التاريخ

شيئا ، فأمر الرجل الّذي كان الحمام صحبته أن يكتب بخطّه : إنّنا لما وصلنا جزيرة قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلّيّة ، فسألناهم عن الأسطول المخذول ، فذكروا أنّه أقلع إلى جزائر القسطنطينيّة . وأطلق الحمام فوصل إلى المهديّة ، فسرّ الأمير الحسن والنّاس ، وأراد جرجي بذلك أن يصل بغتة ، ثمّ سار ، وقدّر وصولهم إلى المهديّة وقت السّحر ليحيط بها قبل أن يخرج أهلها ، فلو تمّ له ذلك لم يسلم منهم أحد ، فقدّر اللَّه تعالى أن أرسل عليهم ريحا هائلة عكستهم ، فلم يقدروا على المسير إلّا بالمقاذيف ، فطلع النهار ثاني صفر في هذه السنة قبل وصولهم ، فرآهم النّاس ، فلمّا رأى جرجي ذلك وأنّ الخديعة فاتته ، أرسل إلى الأمير الحسن يقول : إنّما جئت بهذا الأسطول طالبا بثأر محمّد بن رشيد صاحب قابس وردّه إليها ، وأمّا أنت فبيننا وبينك عهود وميثاق إلى مدّة ، ونريد منك عسكرا يكون معنا . فجمع الحسن النّاس من الفقهاء والأعيان وشاورهم ، فقالوا : نقاتل عدوّنا ، فإنّ بلدنا حصين . فقال : أخاف أن ينزل إلى البرّ ويحصرنا برّا وبحرا ، ويحول بيننا وبين الميرة ، وليس عندنا ما يقوتنا شهرا ، فتؤخذ قهرا . وأنا أرى سلامة المسلمين من الأسر والقتل خيرا [ 1 ] من الملك « 1 » ، وقد طلب مني عسكرا إلى قابس ، فإذا فعلت فما يحلّ لي معونة الكفّار على المسلمين ، وإذا امتنعت يقول : انتقض ما بيننا من الصلح ، وليس يريد إلّا أن يثبطنا حتى يحول بيننا وبين البرّ ، وليس لنا بقتاله طاقة ، والرأي أن نخرج بالأهل والولد ونترك البلد ، فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا .

--> [ 1 ] - خير . ( 1 ) . خوفا من الملك . A